تعلّم فن المجاملة

الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2009

× من الجميل جداً أن تجامل غيرك، فـ الحياة عندما تكون خالية من المجاملات تصبح كئيبة وجافة.

× البعض مبدأه في الحياة أنه لن يجامل بتاتاً، وهذا حقّه، ولكن إذا لم تجامل غيرك، ستلاحقك صفة أنك: (إنسان ثقيل الظل)، وهذه من الصفات غير المحببة في أي شخصية.

× إذا لاحظت حول محيطك، تجد نفسك أنك في يومك العادي قد جاملت عدداً لا بأس من الناس بدون حتى أن تشعر، أن تبتسم أو تضحك لنكتة لم تعجبك أو مرّت عليك أكثر من مرة ولم تعد تضحكك، أن تصف شخصاً ما بصفة جميلة، حتى ولو لم تكن فيه، أن تقابله باشّا حتى وإن كان لديك خلاف معه، وهنالك الكثير من المجاملات التي لولاها لصارت العلاقات بين الناس يشوبها الكثير من الجفاء.!

× بعض الناس يعتبر أن المجاملة هي في النهاية عبارة عن نفاق، ولكن حسب رأيي أنها ليست كذلك.!

× بعض آخر يعتقد أن الجديّة في التعامل تكسبه شخصية قوية، أما المجاملة فتظهره بمظهر المُداهن.! ولكن إذا كان يقصد الجدية التي هي عكس المجاملة، فهو مخطأ بلا شك، فهنالك خيط صغير يفصل ما بين الجدية وبين ثقل الظل.!

× المجاملة كالابتسامة، هي أقصر طريق للدخول إلى قلوب الناس.!

× الجدية أحياناً تكون جافة وتسم صاحبها بقلة الذوق.

× تخيّل أنك ألقيت بنكتة أمام جمع من الناس، البعض ضحك مجاملة لك، لكن الذي يعتقد نفسه جاداً قال لك: أن هذه النكتة سمجة وغير مضحكة ومن الأفضل ألاّ تلقي بنكات مرة أخرى.!!

× حتى إذا كان قوله حقيقة، لكنه في عرف التعامل يعتبر شخص قليل الذوق ولا يجيد فنّ التعامل مع الآخرين.!

× بعض الحقائق تكون مُرّة وحامضة جداً ومن الصعوبة بلعها.!

× جامل الناس يا عزيزي .. وستكتشف أنك سلكت أقصر الطرق لكي يحبوك.!



خارم بارم

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

تلاميذ الصف الأول في مرحلة الأساس في السودان انتهجوا لهم طريقة جديدة لتعلم الحروف، وهي ما يُسمى بـ(الطريقة الكلّية) أي تفكيك الكلمة لأحرفها الأساسية وحفظ الحرف داخل الكلمة، عندما كنا في سنة أولى، كنا نحفظ الحروف بطريقة (آ) أسد ، (نا) نمر ، (تا) تمر، أما الآن مع تطور التكنولوجيا أصبح الأمر مختلفاً، صاروا يأتون لهم بكلمة مثل (ضرب)، تفكك الي (ضـ ، ر ، ب) فيكون التلميذ قد حفظ ثلاثة أحرف مجتمعات!

بغض النظر عن سلبيات وإيجابيات هذا الأسلوب و علاقته بالكلمات المتقاطعة، لقد أعطاني هذا التفكيك فكرة جديدة للتسلية، أمسكت بالقلم وصرت أفكك عدة كلمات وأكوّن منها كلمات أخرى مفيدة وغير مفيدة.!

دعونا نبدأ بكلمة (تلفزيون)، إذا حللنا هذه الكلمة يمكن أن نستخرج منها عدة مصطلحات، لنقتلع أول حرفين (تل )، التل هو عبارة عن كوم تراب كبير، أما الحرفان (فز) لا أعرف لهما معنى في اللغة العربية الفصحى، ولكنها في العامية السودانية تعني (هرب)، مثال: (فزّ الحرامي) أي ولى اللص هارباً، وآخر ثلاثة أحرف (يون) وهذه لا تكون شيئاً مفيداً، لكن إذا ألصقنا بها حرف (عـ) تصبح (عيون)، والعيون هي عبارة عن شيء مركب في الوجه نرى به الآخرين، وإذا أتبعت بـ (يون) المقطع (ملـ) تجد أن المحصلة (مليون)، والمليون هو مبلغ ممتاز من المال يقضي لك الكثير من الأمور، إلا أنه بعد نصف قرن من الآن، وبارتفاع الأسعار الجنوني الذي نشهده، قد لا يكفي لشراء بصلة.!

لـ نحلل كلمة أخرى، فلتكن (كمبيوتر)، إذا أمسكت الثلاثة أحرف الأولى (كمبـ)، تجدها لا تعطي معنى واضح إلاّ إذا أضفت لها حرف (الواو) لتصبح (كمبو) ، و الكمبو في العامية السودانية هو عبارة عن عدة منازل جُمعت في مكان واحد، وعادة ما تكون لعمال يعملون في مشروع ما، وهي تعريب غير سليم للكلمة الإنجليزية Camp التي تعني معسكر. أما الأحرف الأخيرة (ـيوتر) إذا ألصقنا لها من الأمام الحرف (سـ) تصبح (سيوتر)، وهذا الكل يعرفه باسم (سويتر)، وهو معطف ثقيل يلبس عندما يكون الجو بارداً.

كلمة (عنقريب) كلمة سودانية مشهورة، والعنقريب هو عبارة عن سرير من عيدان الأشجار، ويمكن تقسيم هذه الكلمة لجزأين، الأول (عنقر)، والعنقر هذا شيء غير معروف كنهه، وإذا أكرمته بالتاء المربوطة على آخره، ستتضح معالمه ليكون (عنقرة)، والعنقرة في الدارجة السودانية هي الرقبة أو العنق، والرقبة كما نعرف جميعاً هي عبارة عن جسم اسطواني رُكّب عليه جسم آخر مُكوّر يُسمى بالرأس، أما الجزء الأخير من العنقريب، الحرفان (ـيب ) عند إضافة الأحرف (عنكولـ)، تكون النتيجة (عنكوليب)، وهو في السودان اسم لعيدان القصب التي تبقى بعد قطع قناديل الذرة ويشبه قصب السكر، ويستخدم كعلف للبهائم.!

لنتجه لكلمة (بطانية)، وهي ذلك الغطاء المعروف، الجزء (بطـ) تعنى نوع من أنواع الطيور بعض الناس يحب أكله والآخر لا يفعل، ويفضل عند الأكل (ذكر البط) عن أنثاه، كما عرفت مؤخراً، الحرفان الأوسطان (انـ) لايعطيان هكذا معنى محددا، لنلصق بهما (ـنا) لنجد أنها أصبحت (أننا)، وهذه لوحدها كلمة غير مفيدة، لنضف إليها بعض الكلمات لتكون ( أننا نحب أكل الفول)، وأعتقد أن هذه العبارة واضحة تماماً ولا تحتاج لأي شرح، لنر ماذا عن الحرفين الأخيرين (ـيه)، وهذان لا نستفيد منهما إلاّ بعد أن نلحم لهما من الأمام الأحرف (بيروقراطـ)، وبعد انتهاء عملية اللحام، ستكتشف أنها صارت (بيروقراطية)، والبيروقراطية بمعناها المعاصر تعني التعذيب و(الجرجرة) والتماطل في مكاتب الخدمة العامة، حيث تسمع كلمات من نوع (أمشى وتعال بعد اسبوع)، وبعدها تأتي لتجد الموظفة تقلم في أظافرها وتخاطبك دون أن ترفع عينها بأن:

- المدير غادر لسفرية في أوروبا، تعال بعد خمسة شهور.!

الهندسة الوراثية: ذلك العلم العجيب

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

هذا المقال استضافه لي الأستاذ عبد الله المهيري في مدونته مشكورا


الهندسة الوراثية، علم الجينات، ذلك العلم العجيب الذي يشبه عصا سيدنا موسى (عليه السلام)، والذي بواسطته خرجت النعجة (دوللي) إلى الوجود بطريقة هي أغرب إلى الخيال، استطاع العلماء بهذا العلم أن يغيّروا من خصائص المخلوقات، مثلاً يقطعون (المُورّث/الجين) الذين يُعطي الأبقار خاصية القرون، فينتجون أبقاراً بلا قرون، حتى لا تسيل الدماء، وتزهق الأرواح إذا اعتركت واشتدّ البأس وحمي الوطيس فيما بينها، وقد سمعتُ في برنامج ما لا أذكره، أن بعض العلماء جرّبوا أن يفصلوا (المُوّرث/الجين) الذي يعطي الفيل خاصية الحجم الضخم، ودمجوه في الأبقار، فخرجت بقرة بحجم الفيل الأفريقي، الذي ارتفاعه ثلاثة أمتار، وطوله سبعة أمتار، ويستطيع أن يملأ غرفة كاملة، والحكمة من ذلك توفير اللحوم، على حسب قولهم، واكتشفوا بعد ذاك أن البقرة الفيل تأكل في الوجبة الواحدة ما يعادل ثلاثة فدانات من الحشائش فـ ألغوا الموضوع برمته.

حتى في مجال النباتات دخل هذا العلم، استطاع العلماء أن يفصلوا (المُورّث) أو الجين الذي يعطي البصل رائحته المميزة، فنتج بصلاً بلا رائحة، وهنالك دراسات يجريها الدكتور أحمد مستجير في مصر، أراد أن يختصر الموضوع وينتج نبتة واحدة تنتج الطماطم بالأعلى والبطاطس بالأسفل، وأطلق عليها (البطاطم)، لست أدري هل نجحت التجربة أم لا ولكنها فكرة عبقرية على كل حال.!

وهكذا كما ترون أن العلم يخطو خطوات واسعة جداً نحو المجهول في كل شيء وفي علم الجينات على وجه الخصوص، ولكن يمكننا أن نجري توقعات سريعة لتطبيقه في النباتات، نحن في المستقبل نطمح في نبتة لا تكتفي بإنتاج الطماطم والبطاطس فقط، بل تنتج كل شيء، أي أن تكون عبارة عن سوق خضار متكامل، وتحتوي هذه الشجرة على جميع ما يمكن أن يتوفر في السوق المركزي للفواكه والخضر، أن يكون أحد الفروع تتدلى منه الطماطم والفجل والليمون والفلفلية والشطة الخضراء، وفي فرع آخر تجد منتجات من المفترض أن تنمو داخل الأرض، ولكن العلم تطور فصارت من الفروع تتدلى البطاطس والبامبي والجذر، هل مرّت عليك شجرة بهذه المواصفات؟ تخيّل أن لديك شجرة مثل هذه في فناء البيت الخلفي، أو في حديقة المنزل، حينها لن تهتم بموضوع توفير المواد الغذائية لـ الأسرة الكريمة، وستذهب إلى عملك وأن مطمئن البال مرتاح الضمير.

ولا تحسبن أن هذه الشجرة تكتفي بالخضروات فقط، بل لها باعٌ طويل في الفواكه، وبعد الوجبة يمكنك أن تلتقط منها العنب والخوخ والكمثرى والبرقوق والتفاح، وشجرتنا هذه عبارة عن مائدة متكاملة كما ترون، فنحن هدفنا أن نريح المواطن من الذهاب إلى السوق أو البقالة لشراء لوازم الطعام، فـ كما ترى أنّ كل شيء مُتوفّر في هذه الشجرة، وسبحان الله حتى الزيت لا يخلو منها، نعم زيت الطعام المعروف، إنها تنتج الزيت في ثمار تشبه الليمون، وطريقة عملها تشبه طريقة عمل الليمون بالضبط، فعندما تقطف منها (ثمرة زيت) اذهب بها إلى الطبيخ مباشرة وأعصرها كما تُعصر أي ليمونة في الكون، فيخرج منها الزيت بلا هوادة، ويوجد بشجرتنا جميع أنواع الزيوت، زيت الطعام العادي، زيت الزيتون، زيت النعام، زيت الفرامل، اقطع اسم أي زيت من رأسك وستجده في هذه الشجرة بإذن الله.

العلم يا إخوتي الكرام يتقدم بخطى واثقة وسريعة، وما نراه اليوم خيالاً غداً يصبح حقيقة ونستعمله بلا دهشة، ارجع خمسين سنة إلى الوراء واحك لهم عنه شيء صغير الحجم أصغر من قطعة الصابون، يعمل بلا أسلاك ويمكنك الاتصال به بين المدن والدول والقارات، واسمه الموبايل، وسترى الدهشة وعدم التصديق في عيون الناس، هذا إذا لم يعتبروك أحمقاً أو مخبولاً أو كلاهما، وهكذا لا تستبعد أن يصل العلم لمرحلة هذه الشجرة، ولا تستبعد كذلك أن تصل الشجرة إلى مرحلة إنتاج الرغيف والبيض والحليب، وعلم الله واسع.!

الهبالة والدغالة

الهبالة و الدغالة من المصطلحات الشائعة في العامية السودانية، والشخص الدغيل واحدة من صفاته أنه عندما ينادونه باسمه لا يلتفت ولا يجيب النداء، أما الشخص الهبيل أو الأهبل هو الذي يلتفت ويقول: (نعم) بصوت عالٍ حتى ولو لم يكن هو المقصود.!

المثل السوداني يقول:

- ( اسماً زي اسمك .. يا علمك الهبالة .. يا علّمك الدغالة).!

المعني أنه إذا كان اسمك مشتركاً مع آخر اسمه (حسنين) –مثلاً- وكنتما في مكان واحد، عندما ينادونك أنت يا (حسنين) .. إذا كنتَ (دغيلاً) ستلزم الصمت المبين، على أساس أن المنادي يقصد (حسنين) الآخر، والأخير هذا قد يكون أكثر (دغالة) منك، وهنا (الهبالة) ستلتصق بالذي ينادي عليكما حتى تنتهي صلاحية حباله الصوتية. وهذا هو معنى (يعلّمك الدغالة).!

أما عن كيف يعلّمك اسمك (الهبالة)، ذلك عندما تكونا اثنان لكما نفس الاسم، ويُنَادى على أحدكما يا (حسنين)، فتنهضا أنتما الاثنان بحماس وتقولان بـ(تهابل) مُتحد بصوت واحد (نعم) .. فيبتدركما المنادي بأنه يقصد (حسنين عبد القيوم)، وليس (حسنين إسماعيل).!

زارنا ابن خالي ليقضي معنا إجازته الصيفية، وكان اسمه (أسامة) مُشتركاً مع اسمي، وبما أنه صغير السن، وينفع (للمشاوير) القصيرة، مثل جلب الثوم من البقالة، أو الجرجير من سوق الخضار، فقد كان الإقبال عليه أكثر مني، لذا كان النداء عليه كثيراً، ولكنني لم أتبين هذه النظرية من البداية، أسمع صوت نداء (أسامة)، فأهب بنخوة وحماس، وأقطع المسافة ما بين الصالون والمطبخ بنشاط، لأكتشف أنهم يقصدون (أسامة الصغير) وليس العبد لله، وكانت هذه هي بداية (الهبالة)، ومع كثرة النداءات والهتافات المغلوطة، أصبحتُ أشعر بأنني (أهبلاً) بامتياز، بل بزيادة عشرة درجات عن حدّ (الهبالة) الطبيعي.!

قررتُ أن استخدم سلاح (الدغالة) هذه المرة، فصرت أسمع اسمي كثيراً ولا أرّد على أساس أنني ليس المقصود.!

يوم ما سمعتُ ينادون عليّ كثيراً، ولكنني استطعمتُ (الدغالة) ، حتى عندما يكون أسامة الصغير غير موجود، فأتتني الوالدة وزجرتني:

- ( لماذا لا تجيب يا ولد .. هل هنالك أسامة غيرك هنا)؟.

اكتفيتُ ببعض الحمحمة والإعتذار بأني كنت أفتكر أن المقصود هو ذلك الطفل التعيس.

مرت الأيام ما بين (الهبالة) و(الدغالة) ، فقررتُ أن أجد حلاً جزرياً لهذه المشكلة العويصة، وفي إحدى الوجبات تكرمت عليهم باقتراح بأن يُطلق لقباً ما على (أسامة الصغير)، لأنه إذا استمر الحال هكذا سأصاب يوماً ما بمتلازمة (التهبل الدغلي) ، أو (التدغل الهبلي)، أيهما أسرع، عجبهم الاقتراح، وأشاروا علي أن أطلق عليه لقباً يليق بسعادته، فنظرت إلى (أسامة الصغير) وقلتُ له:

- ( أنت من اليوم فصاعداً اسمُك " تِرْفِسْ ").

وذلك بكسر التاء والفاء معاً، انفجروا بالضحك، وسألوني عن معنى هذا الاسم العجيب، فأخبرتهم أن كلمة " تِرْفِسْ " لعلّها باللغة الفينيقية تعني (الرجل الحكيم)!! وهذا بالطبع غير صحيح، أولاً لأن لغتي الفينيقية ضعيفة جداً، الحقيقة أنني لا أعرف حرفاً واحداً في اللغة الفينيقية، وثانياً أن الاسم هذا قطعته من رأسي، ولكن الخطة أتت أكلها، ومن ذلك اليوم مشى عليه الاسم " تِرْفِسْ "، حتى أنه أعجبه اللقب، وعندما ينادونه بـ ( أسامة) يستخدم اسلوب (الدغالة) المعتّقة.!

أما أنا فـ اسمي ظل كما هو، لم تهّب عليه رياح التغيير، وهذه نصيحة مُجرب، إذا كان اسمك مُشتركاً مع أحدهم وكنتَ معه في مكان واحد، البيت أو العمل، فأعقد معه اتفاقاً بتغيير اسم أحدكما، أو الاثنين معاً، مثلاً إذا كان اسمكما (محمود)، فسمّ نفسك –مثلاً- (شلنكح) والآخر (شلحفوط) .. وهكذا ستحل مشكلة (الدغالة والهبالة).!

فأنا الآن أصبحت مرتاحاً من تشارك اسمي مع " تِرْفِسْ "، والغريب في الأمر عندما أناديه أنا باسمه الحقيقي (أسامة)، هو نفسه يعمل عليّ (دغيلاً)، على الرغم من أنه ليس هناك ثمة (أسامة) غيرنا.!


مسألة زمن

الأحد، 15 نوفمبر، 2009

× أهل القرى والكثير من أهل المدن في معظم الدول العربية –عموماً- اشتهروا بعدم احترامهم للزمن، من وعدَك بأن يأتيك الساعة الخامسة، فهذه يعني أنه سيأتي في السابعة على أقل تقدير! .. وإذا سألت أحدهم (الساعة كم؟) .. سيقول لك - مثلا- ( أربعة ودقائق) والدقائق هنا قد تكون ربع ساعة كاملة، وهي بمقاييسنا قد لا تسوي شيئاً، ولكن في بلد مثل اليابان تعني الكثير .. فأحد مصانع السيارات هناك ينتج سيارة كل خمسة دقائق!!

× أذكر مرة وأنا في إحدى القرى سألتُ أحدهم عن الزمن .. فقال لي:

- (الساعة أربعة).

فمددت رأسي لأرى عقارب الساعة .. فوجدتها الرابعة والنصف تماماً .. فقلت له :

- (يا شيخنا على فكرة أنت اختصرت نصف ساعة كاملة!!).

فرد عليّ باندهاش بما معناه:

- ( نصف ساعة هذه عندنا شيء بسيط .. لا يحتاج حتى أن نذكره)!!..

× البعض في مسألة المواعيد هذه، أحيانا يضع لها احتياطي ساعة كاملة، إذا كان منتظراً شخصاً ما، فإذا قال هذا الشخص أنه سـيأتيه في العاشرة، من الأفضل أن يتوقعه أنه سيأتي في الحادية عشر، وعلى الرغم من ذلك تجد صاحبنا قد أتي في الثانية عشر.!

× أذكر مرة طلبتُ من أحد الأصدقاء أن يزورني في البيت، حددتُ له موعداً في الخامسة مساء، توقعاً مني أنه سيأتي في السابعة، فإذا به يأتي في الخامسة تماماً!! .. احترتُ في مواعيد (الخواجات) هذه التي لم نعتاد عليها.!

× لدينا في السودان، الشخص الذي يأتي في مواعيده تماماً يطلقون عليه (خواجّة)، ويسمون مواعيده (مواعيد خواجات)، والخواجات في الدارجة السودانية تعني (الأجانب)، من إنجليز وأمريكان وغيرهم، إذ هم مشهورون بدقّة مواعيدهم واحترامهم للزمن، أتمنى أن نسبق (الخواجات) في احترام الزمن على الأقل، لأنهم سبقونا في كل شيء، اخترعوا لنا الساعات، وصدّروها إلينا، ونحن لا نستطيع حتى استخدمها استخداماً أمثل، وأتمنى أن نصل لمرحلة إذا تأخر أحدهم عن مواعيدك معه أن يعتذر قائلاً:

- أنا آسف .. لقد تأخرتُ عليك ثلاث ثوان .. وتسعة أجزاء من الثانية .. آسف كثيراً.!!

عادات سودانية جميلة: النفاج

السبت، 14 نوفمبر، 2009

النفاج هو عبارة عن باب صغيرة يربط بين سلسلة منازل الجيران، حيث تجد بين كل بيت والآخر فتحة طولية تتسع بالكاد لعبور شخص واحد، ويُستخدم لزيارة الجيران بين بعضهم البعض دون تكلّف عناء الدخول من الباب الرئيسي، وهو عادة سودانية جميلة، تجدها منتشرة في القرى أكثر من المدن، حيث هناك يتعامل الأهالي ببساطة ومودّة خالية من عقد الحضارة والمدنية، ففي كل بيت توجد غرفة واسعة لاستقبال الضيوف، اسمها (الديوان)، يبنوها قبل بناء المنزل، ويمكن لكل من ينتمي للقرية من الأهل أن يلج بـ (النفاخ)، ويدخل الديوان، ويستريح فيه وكأنه في بيته.

(النفاج) أكثر ما يستخدمنه النساء، إذ هنّ من يكثرن الزيارات لبعضهن في الغالب أكثر من الرجال، حيث أن الرجال يأتون بالباب أكثر من ولوجهم بالنفاج، والعلاقات التي تربط النساء الجارات ببعضهّن في السودان كثيرة، منها أنّهن يحتجن لبعض بهارات الطعام، إذا لم يتوفرّ لدي أحداهن تجدها تذهب لجارتها عبر النفاج وتأخذ منها بعضاً من الثوم أو الشطة أو غيره مما يدخل في المكونات غير الرئيسية للطبيخ، وأحياناً يتداخلن فيما بينهن ليجلسن جلسة تسمى (قعدة جبنة)، وهي جلسة مخصصة لشرب القهوة التي لها طقوس سودانية محببة تعطيها نكهة تجعلها أكثر من مجرّد شرب قهوة، ففيها يتبادلن أخبار بعضهّن، والمشاكل التي تمرّ بهن مع أزواجهنّ، وغيرها كثير، فمشاكل النساء كما تعلم لا تفني وتستحدث من عدم.

الآن، في المدن الكبرى، بل وحتى الصغرى، وبعض القرى، كادت ثقافة (النفاج) أن تختفي من الموروث السوداني، حيث صار كلّ صاحب بيت يُعلّي سور بيته ويغلق عليه بابه، الناس صاروا لا يتزاورون كما في الماضي في عهد الزمن الجميل، أصبح الناس غرباء على بعضهم، وإن كان يربطهم العصب، وذلك لعدة أسباب، منها: أن المدنية صارت تزحف نحو القرى رويداً رويداً، وأقصد بالمدنية هنا كـ مفهوم وليس كـ مباني وعمران، حيث تجد في المدينة جيران يفصل بينهما حائط قصير، ولا يزور أحدهما الآخر إلاّ مرة واحد كل عام، أو في الأعياد والمناسبات الكبيرة فقط، التي هي إما (وفاة أو زواج)، كذلك دخل القرى كثير من الغرباء، والكثير من أهالي الريف هجروا أريافهم وتوجّهوا نحو المدن، ازدادت مشاغل الناس، بحيث لم يعد هنالك زمن متوفرّ لزيارة الأهل عبر النفاجات.!

أتمنى أن يعود الناس أحباباً كما كانوا في الماضي ويفتح كلّ واحد منهم نفّاجاً نحو الآخر، يتزاورون فيما بينهم، يتفقّدون أحوالهم، إذا اشتكي منهم فرد، تداعى له سائر الأهل بالسهر والحمى، أقول يا ليت لو كان يجدى التمنّي.!


كيف تتغلب على الكسل

الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009

الكسل من الصفات غير المحببة في أي شخصية، خاصة إذا تعدّى حدوده، والمرء عادة يكون كسولاً بين حين وآخر، وهذا ليس عيب كبير، إذ هي طبيعة البشر، فالجسم يحتاج إلى القليل من الكسل ما بين فترة لأخرى ليستردّ بها نشاطه، ولكن عندما يصبح الكسل مُزمناً، يؤثر في شخصية الفرد، فالنفس عندما تستعذب الخمول تدمنه، ويصبح الإقلاع عنه من الصعوبة بمكان، وعلاوة على ذلك يؤثر الكسل على علاقة الشخص بمحيطه وبأسرته وبالمجتمع الذي يعيش وسطه.

فالشخص الكسول تجده دائماً مصاب بالضجر ويتخلله الجمود وانعدام الحافز لعمل أي شيء، ويتملّكه الملل المُدقع، والعزلة والجلوس طيلة اليوم، ويبدو عليه الإنهاك على الرغم من أن أكثر مجهود يقوم به هو الاسترخاء، ومن صفات الكسول أنه لا يكلّف نفسه عناء أي شيء، ولا يحب أن يبدد طاقته في أي فعل، وهو على الدوام يحصّن نفسه بالأعذار من شاكلة: لا أعرف، لم أسمع بهذا من قبل، لا أستطيع الذهاب ... إلخ.

السؤال هو: إذا كنت كسولاً، كيف تتخلّص من هذا الكسل؟

- إذا أردّت أن تتخلّص من الكسل، أوّل الخطوات هي أن تعترف بأنّك كسول، أي إذا نظرت في المرآة ووجدت شخصاً تنطبق عليه الصفات أعلاه، فهذا معناه أنك مصاب بداء الكسل، وفكّر بعدها في كيف تتخلص منه، وليس بأن تشغل نفسك لتقنعها بأنك لست كسلانا، الاعتراف بالكسل هو أولى الخطوات لعلاجه.

- بما أننا نتحدث عن الكسل المزمن وليس العادي، لذا من الأفضل أن تفهم أبعاد كسلك، فهنالك نوع من الكسل يأتي نتاج مرض ما، قد يكون مرض عضوي أو نفسي، وإذا كان كسلك ظهر منذ فترة قريبة يمكنك استبعاد المرض كسبب، وإذا أردّت أن تتأكد أكثر يمكنك زيارة الطبيب.

- يمكنك أن تجري محادثة خاصة مع نفسك وتسألها: لماذا أنت كسول؟ فهنالك من الأسباب ما تعرفه أنت فقط، حاول أن تجيب نفسك بكل شفافية، وإذا حدّدت أسباب كسلك حاول التخلص منها، فهنالك أسباب تأتي نتيجة للعادات والنشأة، فـ بالتخلص منها، ستتخلص من الأسباب الكامنة وراء الكسل.

- فكّر في ما هي الفرص التي فقدّتها في حياتك نتيجة للكسل، وماذا كان يمكن أن يحدث لو أنّك تخلّصت من كسلك في تلك اللحظة، وكيف كانت ستتغير حياتك لو لم تكن كسولاً.؟

- يمكنك أن تتغلب على الكسل بالبدء في ترك العادات السيئة التي أتت نتاج الكسل، التدخين مثلاً حاول أن تتخلص منه إذا كنت مدخناً، أخرج نفسك من المكان الذي كنت منغلقاً فيه، قلّل من ساعات مشاهدة التلفزيون، الإنترنت، الألعاب، ضع لنفسك برنامج رياضي خفيف، المشي مثلاً، وستجد نفسك رويداً رويداً قد تخلصت من جزء كبير من مسببات الكسل.

- حاول أن تجد لك هواية أو عمل سريعاً، فالهوايات والوظيفة من أكبر المحفزّات ليخرج المرء من قوقعته التي يعيش فيها، وحاول أن تُحي لك هواية قديمة اندثرت، المهم لا تترك لنفسك فراغاً، فالفراغ هو الذي يولّد الكسل، اشغل نفسك بأي شيء مفيد، الأمر يحتاج إلى عزيمة وإصرار، أقنع نفسك بأنك تستطيع، وستفعلها، فالجسم الذي يستسلم للكسل، هو الذي يقنع صاحبه بأنه لا يستطيع، فلا تطاوعه، لا تستمع إلى حديثه عندما تقول لك نفسك بأن العمل سيضرّ بصحتك، أو لا تجهد نفسك كثيراً، فالجسم له إمكانيات أكبر مما تتخيل، وأذكر هنا مقول الكاتب الكبير أنيس منصور حينما قال: أن الإنسان يستطيع أن يأكل رغيفاً واحداً في اليوم ويعمل لمدة عشرين ساعة بلا توقف.

- حاول أن تخلق لك صداقات وأصدقاء يشتركون معك في هواياتك المحببة، يخرجون معك في نزهة قصيرة إلى مكان ما بعيد عن محيطك الذي كنت تعيش فيه، تعلّم منهم النشاط، أطلب منهم أن يساعدوك في التخلص من كسلك، وستنجح بإذن الله، فقط جرّب.

- اشحن نفسك بالطاقة والحماس، لا تجعلها تستسلم للخمول، أخلق واكتشف لنفسك دوافع ومحفّزات للحياة، ضع لنفسك قاعدة أنك تستطيع فعل أي شيء، أحذف كلمة مستحيل من قاموسك، وسّع دائرة صداقاتك، أجلس مع أفراد أسرتك ونقاشهم في مختلف الأمور، شاور من تثق فيهم في مشاكلك الشخصية، ارفع شعار التغيير، ضع خطّة واسعة لتغيير تفاصيل حياتك التي كانت أسباباً في جرّك إلى الكسل والخمول، ولا تسمح للجمود بأن يتخلل حياتك، انهض من السرير، قم من الأريكة التي تسترخي عليها، اقتلع نفسك من تحت الظل، وآمن وأقتنع بأنّك ستصبح نشيطاً، مشحوناً بالحيوية، فالعقل عندما يؤمن بشيء يفعله، وثق تماماً أنك تستطيع أن تفعل ما تريده.

كيف تغير العالم ؟

الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

سأل الشاب أحد الفلاسفة قائلاً

- يا شيخنا، كيف يمكنني أن أغيّر العالم، أو أجعله أفضل مما هو عليه الآن.؟

قال له:

- العالم أجمع يا بني.

- نعم .. يا شيخنا .. كل العالم.

- سرح شيخنا بنظره قليلاً ثم قال:

- عندما كُنت شاباً، في مثل سنّك تقريباً، قرّرت أن أغيّر العالم، ولكن وجدتُ من الصعوبة بمكان أن أغيّره، تنازلت قليلاً، فقلت سأحاول أن أغيّر دولتي، مرّت بي السنوات، وازددتُ حكمة ووجدتُ أنه من المستحيل أن أفعل هذا الأمر، اتخذت قراراً حاسماً سأغيّر مديني التي أعيش فيها لتسير نحو الأفضل، ولكن بالنسبة لشيخ كبير مثلي كان الأمر تقريباً مستحيلا، وهداني تفكير نحو تغيير عائلتي، فإنها أسهل من تغيير العالم، وأقل جهداً من تغيير دولتي، وليست متعبة كتغيير المدينة، ولكن هل تصدّق يا بني حتى عائلتي لم أستطع تغييرها نحو الأفضل، وكما ترى أنا شيخ كبير، وأكبر جهد من الممكن أن أقوم به هو الكلام، وليس سواه، وأدركت أن الشيء الوحيد السهل المتوفرّ لدي الآن أن أبدأ بتغيير نفسي، وأنا الآن ساعٍ بكل جهدي في الشأن، لأنني توصّلتُ إلى أنني عندما أغيّر نفسي إلى الأفضل، من الممكن أن ينتقل هذا التأثير نحو عائلتي فيتغيّرون، وإذا اجتهدت العائلة الكريمة، من المحتمل أن تنقل هذا التأثير إلى كل المدينة، فيتغّير أهلها، وإذا الله قال كُن ستنقل المدينة تأثيرها إلى كل مُدن البلاد، وبعدها يا بُني إذا شاء الله بعد عمرٍ طويل، سيكون الطريق ممهّداً لكي تغّير بلادنا كل العالم، خلاصة القول يا بُني:

- إذا أردّت أن تُغيّر العالم، فـ أبدأ بتغيير نفسك.!


إرضاء القراء: تلك الأمنية المستحيلة

حسب تجربتي القصيرة ككاتب صحفي آمنتُ واقتنعتُ تماماً بمقولة الحكيم التي نصها

- إنني لا أعرف خطوات النجاح، ولكن أولى خطوات الفشل هي إرضاء جميع الناس.

هذه العبارة يمكن أن تخدم عدة أغراض، ويمكن استعمالها في مختلف المواقف، ولكنني هنا أقصد بها إرضاء القارئ، وأعني بالتحديد قارئ الصحيفة الورقية، فـ مهما كان حجم الكاتب، وقدرته، وبراعته، ومهما كانت روعة كتاباته، فإنه من المستحيل أن يرضي جميع القراء، وهذه مُجرّبة ولا يستطيع أن يناقش فيها أحد، لأن طبيعة البشر مجبولة على ألا تلتزم بمنهج واحد، أو تقبل أسلوب واحد، فـ البشر اختلفوا في الكتب المنزلة من السماء، فما بالك بكاتب ينطق عن الهوى.؟!

والكاتب بمختلف أقسامه، الصحفي، الأديب، ..إلخ، حساسٌ فيما يكتبه، ومهما اتسع مكيال صبره، وارتفعت درجة تقبلّه للنقد، فإنه يتأثر بالآراء السالبة التي يبديها القراء والنقاد في كتاباته، وتجد الكاتب عكس الجميع مُعرّضٌ لإحباطات كثيرة، فرّب كلمة جارحة يرسلها له قارئ تحبطه وتجعله لا يستطيع الكتابة ليوم كامل، وبالمقابل تجد أن الكاتب يتأثّر إيجابياً بالإطراء، فهو يحفّزه ويدفعه للأمام ويعطيه الدافع لكي يكتب أكثر وأكثر، ويجعله يجوّد كتاباته بقدر المستطاع حتى يكون عند حسن ظنّ قرائه، ولا أعني بذلك أن يتم منافقة الكاتب، فمن الممكن أن ينقده أي قارئ أو ناقد بأسلوب جميل، بكلمات لا تخفي في طيّاتها التشفي والحقد الدفين المجهول السبب، فـ الكاتب في النهاية بشر، معرّض لأن يخطئ ويصيب.

وإذا لاحظت ستجد أن معظم النقاد لا يستطيعون أن يكتبوا حرفاً واحداً مما يكتبه الكاتب، وحتى –بعض- القراء الذين يمارسون دور الناقد، إذا قلت لأحدهم أكتب مائة كلمة في أي موضوع تختاره أنت، ستجده يمثّل دور الذي يعرف الطريق ولكنه لا يعرف القيادة.

أحياناً تصلني رسائل محبطة وسامّة في بريدي الإلكتروني من قرّاء قرئوا واحدا من مقالاتي، فأجد أن هدف النقد منها شعورٌ هو خليط من الحسد والغيظ والتشفّي معاً، وبالمقابل تصلني آراء هادفة أستفيد منها وأشعر أنها ستقدّمني إلى الأمام، فأحاول -ما بين هذه وتلك- أن أوازن ما بين البعد عن الغرور وبين التحصّن ضد الإحباط، وهما الصفا والمروة التي يسعى بينهما الكاتب، وهو في النهاية لن يقدر على إرضاء القُراء، ولكن فليسعى في ذلك ما استطاع إليه سبيلا.!


تحية الاسلام المفترَى عليها

الأحد، 1 نوفمبر، 2009

من المعروف لكل من نطق بـ الشهادتين أن السلام سنة معروفة منذ عهد سيدنا آدم وحتى قيام الساعة، ومن المعروف كذلك أن السلام من حقوق المسلم على أخيه المسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وإتباع الجنائز). رواه مسلم.

حتى وقت قريب كانت صيغة السلام المعروفة هي (السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته)، ولكن في هذا العصر، عصر العولمة والانفتاح الحُر، صرنا نسمعُ بصيغ جديدة للسلام لم ينزل الله بها من سلطان، بل وأفضل منها صيغ الجاهلية عندما كانوا يلقون التحية بكلمات مثل: (عمت مساء)، فهذه على الأقل كلمات عربية يمكن هضمها، ولكن من الصعوبة أن تستوعب أن يقول لك أحدهم مُسلّماً:

- (هاي)

أو يقول مودعاً:

- (باي باي)، أو (چاااااااو)!!

وقد تحتار في ردّ هذه التحية كيف يكون، أنّ من يقول (السلام عليكم) من الطبيعي أن يكون الرد عليه بـ (وعليكم السلام)، ولكن من يقول (هاي) أو (جاو)، هل نردّ عليه بـ (وعليكم الـ هاي)، أو (عليكم الـ جاو)؟!

وغير هذا يوجد الكثير من صيغ السلام التي لا أدري من أين وفدت، مثل (ألو) و(يا هلا بيك)، و(صباح الخير) و(صباح الخيرات)، و(حي الله الربع)، و(إزيّكم)، وغيرها الكثير، والبعض ممن ينطق بها يحسب نفسه متحضراّ، وهو لا يدري أنه لا تحضُّر فوق تعاليم الإسلام، ما عيب عبارة (السلام عليكم)، وفي الرد (وعليكم السلام) التي إذا قلتها تكون قد ربحت حسنات على الأقل، هذا غير أن السلام سبب مباشر لدخول الجنة، فـي «صحيح مسلـم» عن أبـي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تَدْخُـلُوا الـجَنَّةَ حتـى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتـى تَـحابُّوا أوَلا أدُلُّكُمْ علـى شَيءٍ إذا فَعَلْتُـمُوهُ تَـحَابَبْتُـمْ؟ افْشُوا السّلامَ بَـيْنَكُمْ).

المشكلة أنك في بعض المرات عندما تلقي السلام علي شخص ما في الشارع أو في السوق، بدلاً من أن يردّ عليك التحية بأحسن منها، تجده ينظر لك نظرات استهجان، نظرات من نوع: (من أين تعرفني حتى تسلّم عليّ) أما في وسط السوق إذا سلّمت على أحد السائرين، قد يتهّمك بأن مخبول أو أحمق أو كلاهما.

عموماً أنت أفعل ما بوسعك في سبيل إلقاء تحية الإسلام على غيرك، فإن ردّوا عليك السلام، فأنت الرابح، وإن لم يردّوا، أنت الرابح أيضاً، وفي التلفون أو الجوال لا تقول (ألو)، أنت بهذا تضيع على نفسك ثلاثين حسنة هي أجر السلام بصيغته الكاملة (السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته)، أما إذا قلت (السلام عليكم) فقط، فهذه عشرة حسنات، لا تفرّط فيها، فهي ليست بالهينة على كلّ حال.!

أثر شركات الاتصالات في السودان

يوجد لدينا في السودان عدد لا بأس به من شركات الاتصالات، وهي (شركة سوداني)، (شركة زين)، (شركة MTN)، (شركة كنار)، و(شركة سوداتل للاتصالات المحدودة)، وهذه الشركات غير خدماتها في مجال الاتصالات، لديها جوانب أخرى أكثر إيجابية أثرت بعمق في المجتمع السوداني، وعبرها تم خلق فرص عمل لآلاف العاطلين في السودان، ولا أقصد الشباب الذين توظّفهم الشركة للعمل في مكاتبها، فهذه وظائف نادرة، والحصول عليها من الصعوبة بمكان، ولكن أقصد فرص العمل التي أتت نتيجة لحركة الاتصالات في السودان.

تحويل الرصيد:

لا أملك أرقاماً دقيقة، ولكن أعتقد اعتقاداً جازماً بأن آلاف الشباب في السودان الآن يعملون في مجال تحويل الرصيد، وهو شراء كروت الشحن ذات القيمة الكبيرة، وبيعها بالتجزئة لمن لا يملك نقوداً تكفي لشراء كل كرت الشحن، مثلاً هنالك كرت شحن فئة (50 جنيه) يشتريه البائع، وإذا أتاه من يريد شحن موبايله بـ (2 جنيه) يحوّل له رصيد على قدر مبلغه، ويستطيع أن يبيع كل كرت الشحن لأقلّ من ستة أشخاص، ويجد هامش ربح بسيط يزداد بازدياد المبيعات من كروت الشحن في اليوم.!

هذه الخدمة صارت تدّر ربحاً لا بأس به لدى الكثير من شباب السودان، بل واستطاعت أن تفتح بيوتاً، ومنهم من تزوّج منها، وإذا حضرت إلى العاصمة الخرطوم، وبقية المدن الكبرى مدني، بورتسودان، كوستي، الأبيض، وغيرها، بل وحتى القرى، ستجد الكثير من أكشاك وأماكن بيع الرصيد هنالك.!

بل صار تحويل الرصيد يوازي بديلا ممتازاً لتحويل النقود عبر طريق غير البنك، افترض أن رجلاً يسكن في مدينة كوستي، وابنه الطالب الجامعي يدرس في جامعة الخرطوم، وأراد هذا الأب تحويل مبلغ مالي لابنه، بدلاً من أن يحولّه عبر البنك، الذي كثيراً ما يعقّد الأمور ويطالبه هو وابنه ببطاقة شخصية، وملأ استمارة، ووقوف في الصف، وخصم فائدة كبيرة، يستطيع هذا الأب أن يحوّل لابنه رصيدا في جوّاله ويمكن للابن أن يبيع هذا الرصيد، ويُخصم منه هامش بسيط، بل أقلّ من أرباح البنك.!

وهذه واحدة من المحامد التي تنسب لشركات الاتصالات التي انتشلت الكثير من أبناء السودان من بئر العطالة.


إعلانات الصحف والتلفزيون والإذاعة:

في فترة ما قبل دخول خدمات الموبايلات كانت الصحف تعيش ركوداً بسبب قلّة الإعلانات، ولكن ما إن بدأت شركات الاتصالات في بسط خدماتها في المجتمع السوداني، حتى ازدهر سوق الإعلانات في الصحف المحلية، وصارت بعض الشركات تحجز صفحة كاملة من الصحيفة، وهذا الأثر صار يصبّ في تطور الصحافة في السودان، إذ أن الإعلانات في كثير من الصحف هي المصدر الأساسي لجعل الصحيفة تقف على أرجلها، لأن العائد من التوزيع فقط، أحياناً لا يكفي حتى لأسعار الورق والطباعة، دعك من صرف مرتبات الصحفيين.!

كذلك تركت هذه الشركات بإعلاناتها أثراً طيباً في قنوات التلفزيون والإذاعة في السودان، وهنالك شركات صارت ترعى قنوات تلفزيونية بأكملها وهذه لا شكّ بادرة ممتازة نتمنى أن تنتهجها بقية الشركات.

بيع أجهزة الموبايل (الجوالات)

قبل أقلّ من عقد الزمان لم تكن نتخيّل حتى ما هو شكل الموبايل/ الجوال، حتى ظهرت الجوالات فجأة وصرنا لا نستغني عنها بتاتاً، بل ولا يمكننا أن نتخيّل حياتنا من دونها، وهذا أدى إلى فتح سوق كبير لأجهزة الموبايل، وصار هنالك مستوردون وتجّار جملة وقطاعي وتم افتتاح الكثير من محال بيع أجهزة الموبايل، مما أدى إلى خلق فرص عمل جديدة لم تكن تخطر على بال أحد قبل سنوات قليلة، وما يهمّني هنا أنها قللّت من حدّة العطالة نوعاً ما، وصار بجانب ذلك تجّارا تخصصهم إكسسوارات الموبايلات، من قطع غيار وغيرها، وصرنا نرى أسواقاً كاملة ودلالات لبيع الموبايلات فقط، وصار الموبايل عبارة مال مجمّد قد يحلّ لمالكه كربة ما إذا باعه في وقت حاجة.!

الإنترنت:

أما أروع ما تقدمه شركات الاتصالات هو خدمة الإنترنت، قبل أن تأتي هذه الشركات لم يكن هنالك انترنت يرضي الطموح في السودان، وفوائد الانترنت لا تخفى على أحد، حيث أدت إلى تنامي الثقافة وانتشار المنتديات ومواقع الانترنت السودانية، وأثر الإنترنت في المجتمع هو أنه أدى إلى فتح عدد لا بأس به من مقاهي الانترنت، وهذه المقاهي فتحت بيوتاً وصارت مصدر دخل لكثير من الأسر، وإذا كان لشركات الاتصالات هذه الخدمة فقط، لقلنا لها نشكركم من كلّ أعماقنا.

خدمات اجتماعية:

بعض شركات الاتصالات تبرّعت ببناء مدارس، وأخرى بـ سيارات إسعاف، وغيرها بخدمات اجتماعية أخرى تمسّ عمق المواطن السوداني، وأعتقد أن مثل هذه الخدمات هي من الأهمية بمكان، وهي أفضل بكثير من المسابقات التي تقيمها بعض شركات الاتصالات والتي تكون جوائزها سيارات فارهة، ثمن سيارة واحدة تُعطى لمواطن واحد، يمكن أن يشتروا بثمنها أجهزة طيبة وأدوات جراحة تنقذ مئات الأرواح.

هذا غيض من فيض من الأثر الطيب الذي تركته شركات الاتصالات في السودان، ولا يسعنا بعد كلّ هذا إلاّ أن نقول:

- شكراً لكم .. شركات الاتصالات .. وننتظر منكم المزيد.