الهبالة والدغالة

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

الهبالة و الدغالة من المصطلحات الشائعة في العامية السودانية، والشخص الدغيل واحدة من صفاته أنه عندما ينادونه باسمه لا يلتفت ولا يجيب النداء، أما الشخص الهبيل أو الأهبل هو الذي يلتفت ويقول: (نعم) بصوت عالٍ حتى ولو لم يكن هو المقصود.!

المثل السوداني يقول:

- ( اسماً زي اسمك .. يا علمك الهبالة .. يا علّمك الدغالة).!

المعني أنه إذا كان اسمك مشتركاً مع آخر اسمه (حسنين) –مثلاً- وكنتما في مكان واحد، عندما ينادونك أنت يا (حسنين) .. إذا كنتَ (دغيلاً) ستلزم الصمت المبين، على أساس أن المنادي يقصد (حسنين) الآخر، والأخير هذا قد يكون أكثر (دغالة) منك، وهنا (الهبالة) ستلتصق بالذي ينادي عليكما حتى تنتهي صلاحية حباله الصوتية. وهذا هو معنى (يعلّمك الدغالة).!

أما عن كيف يعلّمك اسمك (الهبالة)، ذلك عندما تكونا اثنان لكما نفس الاسم، ويُنَادى على أحدكما يا (حسنين)، فتنهضا أنتما الاثنان بحماس وتقولان بـ(تهابل) مُتحد بصوت واحد (نعم) .. فيبتدركما المنادي بأنه يقصد (حسنين عبد القيوم)، وليس (حسنين إسماعيل).!

زارنا ابن خالي ليقضي معنا إجازته الصيفية، وكان اسمه (أسامة) مُشتركاً مع اسمي، وبما أنه صغير السن، وينفع (للمشاوير) القصيرة، مثل جلب الثوم من البقالة، أو الجرجير من سوق الخضار، فقد كان الإقبال عليه أكثر مني، لذا كان النداء عليه كثيراً، ولكنني لم أتبين هذه النظرية من البداية، أسمع صوت نداء (أسامة)، فأهب بنخوة وحماس، وأقطع المسافة ما بين الصالون والمطبخ بنشاط، لأكتشف أنهم يقصدون (أسامة الصغير) وليس العبد لله، وكانت هذه هي بداية (الهبالة)، ومع كثرة النداءات والهتافات المغلوطة، أصبحتُ أشعر بأنني (أهبلاً) بامتياز، بل بزيادة عشرة درجات عن حدّ (الهبالة) الطبيعي.!

قررتُ أن استخدم سلاح (الدغالة) هذه المرة، فصرت أسمع اسمي كثيراً ولا أرّد على أساس أنني ليس المقصود.!

يوم ما سمعتُ ينادون عليّ كثيراً، ولكنني استطعمتُ (الدغالة) ، حتى عندما يكون أسامة الصغير غير موجود، فأتتني الوالدة وزجرتني:

- ( لماذا لا تجيب يا ولد .. هل هنالك أسامة غيرك هنا)؟.

اكتفيتُ ببعض الحمحمة والإعتذار بأني كنت أفتكر أن المقصود هو ذلك الطفل التعيس.

مرت الأيام ما بين (الهبالة) و(الدغالة) ، فقررتُ أن أجد حلاً جزرياً لهذه المشكلة العويصة، وفي إحدى الوجبات تكرمت عليهم باقتراح بأن يُطلق لقباً ما على (أسامة الصغير)، لأنه إذا استمر الحال هكذا سأصاب يوماً ما بمتلازمة (التهبل الدغلي) ، أو (التدغل الهبلي)، أيهما أسرع، عجبهم الاقتراح، وأشاروا علي أن أطلق عليه لقباً يليق بسعادته، فنظرت إلى (أسامة الصغير) وقلتُ له:

- ( أنت من اليوم فصاعداً اسمُك " تِرْفِسْ ").

وذلك بكسر التاء والفاء معاً، انفجروا بالضحك، وسألوني عن معنى هذا الاسم العجيب، فأخبرتهم أن كلمة " تِرْفِسْ " لعلّها باللغة الفينيقية تعني (الرجل الحكيم)!! وهذا بالطبع غير صحيح، أولاً لأن لغتي الفينيقية ضعيفة جداً، الحقيقة أنني لا أعرف حرفاً واحداً في اللغة الفينيقية، وثانياً أن الاسم هذا قطعته من رأسي، ولكن الخطة أتت أكلها، ومن ذلك اليوم مشى عليه الاسم " تِرْفِسْ "، حتى أنه أعجبه اللقب، وعندما ينادونه بـ ( أسامة) يستخدم اسلوب (الدغالة) المعتّقة.!

أما أنا فـ اسمي ظل كما هو، لم تهّب عليه رياح التغيير، وهذه نصيحة مُجرب، إذا كان اسمك مُشتركاً مع أحدهم وكنتَ معه في مكان واحد، البيت أو العمل، فأعقد معه اتفاقاً بتغيير اسم أحدكما، أو الاثنين معاً، مثلاً إذا كان اسمكما (محمود)، فسمّ نفسك –مثلاً- (شلنكح) والآخر (شلحفوط) .. وهكذا ستحل مشكلة (الدغالة والهبالة).!

فأنا الآن أصبحت مرتاحاً من تشارك اسمي مع " تِرْفِسْ "، والغريب في الأمر عندما أناديه أنا باسمه الحقيقي (أسامة)، هو نفسه يعمل عليّ (دغيلاً)، على الرغم من أنه ليس هناك ثمة (أسامة) غيرنا.!


1 التعليقات:

مواقف مضحكة، إما هبيلاً وإما دغيلاً [جاري حفظه في قاموسي]

عندنا الأصغر دائماً يلحق إسمه بالصغير

إرسال تعليق