حكاية الحكيم وابنته

السبت، 10 أكتوبر، 2009

يُحكى أنه في أحدى القرى كان يسكن رجل فقير مع زوجته وأبنائه الثلاثة في كوخ صغير، يكفيهم الخمسة بصعوبة بالغة، في يوم ما قالت الرجل لزوجته:

- أنا ذاهب إلى القرية المجاورة لأجلب أبي وأمي ليسكنا معنا في هذا الكوخ.

تعجبت زوجته كثيراً ولكنها لم تعترض، وهزّت رأسها علامة الموافقة.

قال الرجل:

- سأغيب مدة أسبوعين وأعود بهما، أرجو أن تهيئي هذا الكوخ ليتسع لنا.!

كانت الزوجة تعلم أن الكوخ لا يمكنه أن يتحمل شخص آخر زيادة، ولكن استغلت سفر زوجها وذهبت لـ أبيها الذي يسكن في نفس القرية لتطلب منه المشورة، وقالت له أن زوجها سيأتي بعد أسبوعين وسيجلب أمه وأبيه، فماذا العمل؟

حك أبوها ذقنه ثم قال:

- يا بُنيتي هل لديكم بقرة في البيت؟

اندهشت الفتاة لقول أبيها ولكنه أجابت:

- نعم لدينا بقرة، ولكن هل ستحل البقرة مشكلتنا هذه؟

أجابها أبوها:

- نعم .. أعتقد أنها ستحل.

ثم أضاف قائلاً:

- اذهبي من هنا مباشرة وأدخلي البقرة في الكوخ لمدة أسبوع كامل، وبعد أن ينتهي الأسبوع تعالي إلىّ لأرى ماذا سيحدث بعد ذاك.

اكتنفت الزوجة حيرة بالغة، وتساءلت بينها وبين نفسها هل سيحتمل الكوخ بقرة، وهو الذي بالكاد يتسع لبقية الأسرة، ولكنها قررت أن تجرب وتنتظر النتائج.

أدخلت الزوجة البقرة في الكوخ، وعانت في هذا الأسبوع معاناة كبيرة، وتحملت هي وأولادها البقرة ومخلفاتها ورائحتها، حتى انتهى الأسبوع، وكان أطول أسبوع مرّ بها في حياتها، ثم بعدها ذهبت لـ أبيها والدموع تلمع في عينيها، وبعد أن رأى الكآبة بادية على وجهها قال لها:

- أعتقد البقرة ضايفتك قليلاً أليس كذلك.؟

انفجرت بالبكاء وقال وسط نحيبها:

- لقد ضايقتني البقرة كثيراً وصرت أرى الدنيا كلها كـ ثقب الإبرة، أليس هنالك حلٌّ أفضل؟

حكّ الرجل ذقنه كما فعلاً سابقاً ثم قال:

- نعم يوجد، هل لديك بقرة أخرى؟

جحظت عينا الفتاة بدهشة ثم قالت:

- لا .. لا يوجد لدينا بقرة أخرى.. ولكن لماذا.؟؟!!

- يا بنيتي لا تسألي كثيراً وأذهبي وحُلِّ رباط بقرتي وأدخليها في الكوخ مع البقرة الأولى وتعالى إلىّ بعد ثلاثة أيام.

ردت الفتاة بصرخة مندهشة:

- ولكن يا أبي ..

قاطعها والدها بصوت صارم:

- اذهبي وافعلي ما قلته لك بالحرف الواحد.

ذهبت الزوجة ونفذّت ما قاله أبوها، وبعدها شعرت بكآبة الدنيا كلها، وحسّت أن الكون كله صار يزاحمها في هذا الكوخ الصغير، وهذه المرة صار الأمر صعباً بحق، الآن لديها بقرتان تتزاحما داخل كوخ لا يتسع لأسرة صغيرة إلاّ بشق الأنفس، ولكنها تحمّلت حتى انتهت الثلاثة أيام، وذهبت لـ أبيها والبؤس يعلو وجهها.

قال لها بلا مبالاة:

- من الواضح أن البقرتين صارتا تتسببان لك بالضيق؟

لم تُجب .. ولكنها انفجرت ببكاء مرير، فـ ربّت على رأسها بحنية وقال لها:

- حسنٌ يا بنيتي .. أذهبي وأخرجي بقرتي وآتيني بها في الحال.

لم تصدق الفتاة الخبر، انطلقت مسرعة نحو كوخها وأخرجت البقرة وأتت إلى أبيها وهي تحس بسعادة غامرة، أخيراً تخلّصت من بقرة، وصارت ترى الكوخ أكثر اتساعاً من ذي قبل، به بقرة واحدة ليس إلاّ.!!

قال لها أبوها:

- أراك تشعرين بالسعادة لخروج البقرة من الكوخ؟

أجابت مبتسمة:

- نعم يا أبي أحس بارتياح كبير، وصرت أرى الكوخ اتسع شيء ما.

ثم أضافت:

- هل أذهب لأخرج البقرة الثانية.؟

حك والدها ذقنه كما يفعل كلّ مرة ثم قال:

- لا يا ابنتي .. دعيها معك ثلاثة أيام أخرى، وبعدها أخرجيها وتعالي إليّ.

خرجت الفتاة من كوخ أبيها وهي تحس بإحباط ولكنه خفيف هذه المرة، إنها بقرة واحدة لمدة ثلاثة أيام، ليس بالأمر الصعب، وهي التي تحملت بقرتان، دعك من واحدة.

مضت الثلاثة أيام سريعاً، أخرجت الزوجة بقرتها من الكوخ، ونظّفته وذهبت لوالدها وهي تحسّ بسعادة الدنيا كلها، قال لها أبوها:

- أراك سعيدة يا ابنتي بعد أن تخلصتِ من البقرتين.؟

- نعم يا أبي .. أحس بارتياح عميق.

قال لها بعد أن حدّق في عينيها بثبات:

- ولكن يا ابنتي ألم يحتمل الكوخ بقرتين معك أنتِ وأبنائك.؟

قالت الفتاة:

- نعم احتمل ولكن بصعوبة.

حك الرجل ذقنه التي صارت له عادة على ما يبدو ثم قال:

- يا بُنيّتي .. الكوخ الذي يكفي لـ بقرتين بصعوبة .. يكفي لشخصين آخرين بسهولة.!


3 التعليقات:

لا يحس الانسان بسهولة شيء ما حتى يجرب ما هو أصعب
حكاية جميلة أستمتعت بها حقاً

تحياتي عبد الرحمن .. ومرحباً بعودتك

غير معرف يقول...

حكاية جميلة ومعبرة وفيها حكمة كبيرة

إرسال تعليق